زكريا القزويني
28
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
كالملك وسائر الكواكب كالأعوان والجنود ، فالقمر كالوزير وولي العهد ، وعطارد كالكاتب ، والمريخ كصاحب الجيش ، والمشترى كالقاضي ، وزحل كصاحب الخزائن ، والزهرة كالخادم والجواري ، والأفلاك كالأقاليم ، والبروج كالبلدان ، والحدود والوجوه كالمدن ، والدرجات كالقرى ، والدقائق كالمحال ، والثواني كالمنازل ، وهذا تشبيه جيد ، ومن لطف اللّه تعالى جعلها في وسط الكواكب السبعة ؛ لتبقى الطبائع والمطبوعات في هذا العالم بحركاتها على حدها الاعتدالي ؛ إذ لو كانت في فلك الثوابت لفسدت الطبائع من شدة البرد ، ولو انحدرت إلى فلك القمر لاحترق هذا العالم بالكلية ، وخلقها سائرة غير واقفة وإلا لاشتدت السخونة في موضع والبرودة في موضع ولا يخفى فسادهما ، بل تطلع كل يوم من المشرق ، ولا تزال تمشي موضعا بعد موضع إلى أن تنتهي إلى المغرب ، فلا يبقى موضع مكشوف مواز لها إلا ويأخذ موضع شعاعها ، وتميل كل سنة مرة إلى الجنوب ومرة إلى الشمال ؛ لتعم فائدتها ، وأما جرمها فضعف جرم الأرض مائة وستّ وستون مرة ، وقطر جرمها أحد وأربعون ألف وتسعمائة وثمانية وسبعون ميلا . 17 فصل : في كسوفها وسببه كون القمر حائلا بين الشمس وبين أبصارنا ؛ لأن جرم القمر كمد فيحجب ما وراءه عن الأبصار ، فإذا قارن الشمس وكان في إحدى نقطتي الرأس والذنب أو قريبا منه فإنه يمر تحت الشمس فيصير حائلا بينها وبين الإبصار ؛ لأن الخطوط الموهومة الشعاعية التي تخرج من أبصارنا متصلة بالبصر على هيئة مخروط رأسه نقطة البصر وقاعدته المبصر ، فإذا حال بيننا وبين الشمس يتحصل مخروط الشعاع أولا بالقمر ، فإن لم يكن للقمر عرض عن فلك البروج وقع جرم القمر في وسط المخروط عن الشمس بمقدار ما يوجب العرض فينكسف بعضها ، وذلك إذا كان العرض أقل من مجموع نصف القطرين ، فإذا كان يماس جرم القطر مخروط الشعاع لا تنكسف الشمس ، ثم إذا انكسفت الشمس لا يكون لكسفوها مكث ؛ لأن قاعدة مخروط الشعاع إذا انطبق على صفحة القمر انحرف عنه في الحال فتبتدئ الشمس بالانجلاء ولكن يختلف قدر الكسوفات باختلاف أوضاع المساكن بسبب اختلاف المنظر ، وقد لا تنكسف في بعض البلاد أصلا .